السفر بعد دخول الوقت

لا تعليق
خواطر حوزوية
171
0

إذا كان المكلف حاضراً في بلده، ودخل عليه وقت الصلاة وكان بإمكانه القيام بأدائها، لكنه لم يؤدها وسافر ولا زال الوقت باقياً، وأراد أن يأتي بالصلاة في السفر، فهل يصليها قصراً أم تماماً، وكذا لو كان المكلف مسافراً، ودخل عليه وقت الصلاة وكان بإمكانه أن يؤديها في السفر، لكنها أخر أدائها لحين دخوله منـزله، ولا زال الوقت باقياً، فهل يؤديها قصراً أم تماماً؟…

في المسألة أقوال أربعة:

الأول: لزوم رعاية حال الأداء والامتـثال. وهو مختار والد الصدوق والمفيد في المقنعة والمرتضى في المصباح والشيخ في التهذيب وابن إدريس. ومن العامة الشافعي على ما في الخلاف.

الثاني: لزوم رعاية حال تعلق الوجوب، فلما كان حاضراً، فقد تعلقت الصلاة بذمته تامة، ولما كان مسافراً تعلقت الصلاة بذمته مقصورة، فيجب عليه في الصورة الأولى أن يؤديها تامة، ولو كان ذلك في السفر، كما يجب عليه في الصورة الثانية أن يؤيدها قصراً، ولو كان في منـزله، وقد أختاره الصدوق في المقنع وابن أبي عقيل.

الثالث: ما أختاره الشيخ في الخلاف من التخيـير بين الأولين، أي أنه إن شاء أن يؤديها قصراً أداها كذلك، وإن شاء أن يؤديها تماماً أداها كذلك، سواء كان وقت الأداء في السفر، أم كان وقت الأداء في الحضر.

الرابع: التخيـير فالمدار هو حال الوجوب ما دام الوقت باقياً وإلا فيقصر. وقد قاله الشيخ في النهاية والمبسوط ونقله العلامة عن ابن البراج ويظهر من الصدوق في الفقيه.

وبعبارة أخرى، هنا صورتان:

الأولى: أن يكون الوقت متسعاً، فهو بالخيار إن شاء أن يؤديها قصراً أم يؤديها تماماً.

الثاني: أن يكون الوقت متضيقاً، فهنا يتعين عليه أن يأتي بها قصراً.

هذا ولما كانت المسألة من المسائل الأصلية، فلا بأس بالإشارة لبعض الكلمات فنقول:

قال الصدوق: وإذا خرج من مصره بعد دخول الوقت فعليه التمام[1].

ولا يخفى أن عبارته واضحة في أن المدار على وقت تعلق الوجوب، فلما كان حاراً وقت تعلق الوجوب بذمته واشتغالها وجب عليه أن يؤديها تماماً.

وقال المفيد: وإذا دخل وقت صلاة على الحاضر فلم يصلها حتى صار مسافراً وكان الوقت باقياً صلاها على التقصير[2].

أقول: عبارته واضحة في أنه يجعل المدار على الأداء لا على تعلق الوجوب، فلما كان وقت الأداء مسافراً، فوظيفته التقصير.

وفي النهاية قال الشيخ: فإن خرج من منـزله وقد دخل الوقت وجب عليه التمام إذا كان قد بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه التمام فإن تضيق الوقت قصر ولم يتمم[3].

أقول: قد عرفت عند عرض أٌوال المسألة، بيان هذه المقالة الصادرة من شيخ الطائفة(ره)، فلا حاجة للإعادة.

وعنه في المبسوط: فإن خرج من منـزله وقد دخل الوقت وجب عليه التمام إذا بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه على التمام فإن تضيق الوقت قصر ولم يتمم[4].

وعبارته هنا هي عين عبارته في كتابه النهاية، فلاحظ.

وفي الخلاف: إذا خرج إلى السفر وقد دخل الوقت إلا أنه مضى مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات جاز له القصر ويستحب له الإتمام. وقال الشافعي: إن سافر بعد دخول الوقت فإن كان مضى مقدار ما يمكنه أن يصلي فيه أربعة كان له التقصير قال: هذا قولنا وقول الجماعة إلا المزني فإنه قال: عليه الإتمام ولا يجوز له التقصير [5].

أقول: مقتضى عبارته هو البناء على تعين القصر عليه، لكن قوله(ره) بعد ذلك أنه يستحب له الإتيان بها تمام، يوهم التخيـير الذي نسب إليه كما عرفت عند عرض أقوال المسألة.

لكن الظاهر أنه لا يقول بالتخيـير، وإنما هو قائل بتعين القصر عليه، كما هو واضح.

وقال ابن إدريس في السرائر: الروايات مختلفة فيمن دخل عليه وقت صلاة وهو حاضر فسافر أو دخل عليه الوقت وهو مسافر فحضر، والأظهر بين محصلي أصحابنا أنه يصلي حسب حال الأداء فيتم الحاضر ويقصر المسافر ما دام في وقت من الصلاة وإن كان أخيراً فإن خرج من الوقت لم يجز إلا قضاؤها بحسب حاله عند دخول أول وقتها ثم ذكر عبارة الشيخ في النهاية المتقدمة وأجاب عنها بأن ذلك مما لم يذهب إليه أحد ولم يقل به فقيه ولا مصنف ذكره في كتابه لا منا ولا من مخالفينا وذكر بعد ذلك ما تقدم نقله عن الخلاف وأجاب عنه. وقال بعد ذلك: والصحيح ما ذهبنا إليه أولاً واخترناه لأنه موافق للأدلة وأصول المذهب وعليه الإجماع وهو مذهب السيد المرتضى ذكره في مصباحه والشيخ المفيد وغيرهما من أصحابنا ومذهب شيخنا في تهذيبه فإنه حقق القول في ذلك وبالغ فيه ورجع عما ذكره في نهايته ومسائل خلافه في تهذيب الأحكام في باب أحكام فوائت الصلاة[6].

أقول: يلتـزم(ره) بما يلتـزم به شيخنا المفيد(قده) من أن المدار على حال الأداء، فلاحظ.

وقال ابن سعيد: وإذا دخل الوقت حاضراً ثم سافر وهو باقً قصر[7].

وهذه العبارة موافقة لما عليه القائلين بأن المدار على وقت الأداء، وليس المدار على وقت التعلق.

وقال المحقق في الشرائع: وإذا دخل الوقت وهو حاضر ثم سافر والوقت باقٍ فالتقصير أشبه[8].

هذا وينبغي قبل ملاحظة الأدلة، بيان ما هو مقتضى القاعدة، فإنه يمكن تقريبها كالتالي:

إن الخطاب في قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس) متوجه للحاضر والمسافر بما يقتضيه حاله من القصر والتمام في الجزء الأول من الوقت بحيث يتمكن من إتيان الفريضة.

لكن الكلام في احتمالين يمكن ذكرهما في المقام:

الأول: في أن الخطاب هل هو مختص بالجزء الأول، غاية الأمر يدوم التكليف الثابت فيه إلى آخر الوقت حتى لو تغيرت حاله.

الثاني: أنه مخاطب في كل جزء بما هو مقتضى حاله، فيتغير التكليف حسب توالي الحالات، فهو مخاطب في كل جزء جزء، ومكلف بإيجاد الطبيعة حسب حاله وظرفه.

ولا يخفى أن مقتضى الاحتمال الأول هو الالتـزام بأن الواجب امتثال التكليف بحسب حال تعلق الوجوب. وأما مقتضى الاحتمال الثاني هو الالتـزام بأن امتـثال التكليف بحسب زمان الامتـثال.

هذا ولا يخفى أنه لو كنا ومقتضى إطلاق الدليل لكان المتعين هو الاحتمال الثاني، فلا يختص الخطاب بالجزء الأول من أجزاء الوقت. ولذا قوله: قصر. مطلق يعم ما لو كان أول الوقت حاضراً، كما أن قوله: أتم، مطلق يشمل ما لو كان مسافراً في أول الوقت ومعنى الإطلاقين هو إتباعه في امتـثاله التكليف ظروفه وحالاته التي يريد التأدية فيها.

هذا وقد يقال بأن مقتضى القاعدة هو الالتـزام بالاحتمال الأول، وهو حال تعلق الوجوب، فيكون الحكم بالإتمام لو دخل عليه الوقت في الحضر، والقصر لو دخل عليه الوقت في السفر تمسكاً بالاستصحاب. لكنه ضعيف، لفقد شروط من شروط جريان الاستصحاب، وهو إتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة كما لا يخفى التي هي الموضوع.

وأما النصوص الواردة في المسألة فإنها على طائفتين:

الأول: ما دل على أن المدار على حال تعلق الوجوب:

منها: موثقة عمار المتقدمة في المسألة الأولى من هذا الباب فراجع.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبدالله B عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، فقال: يصلي ركعتين وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعاً[9].

ولا يخفى أنها نص في أن المدار على حال تعلق الوجوب، وليس المدار على حال الأداء والامتـثال، فلاحظ.

ومنها: صحيحه الآخر قال: سألت أبا عدبالله B عن رجل يدخل مكة من سفره وقد دخل وقت الصلاة؟ قال: يصلي ركعتين وإن خرج إلى سفر وقد دخل وقت الصلاة فليصلِ أربعاً[10].

وهي كسابقتها من حيث الدلالة.

ومنها: خبر بشير النبال قال: خرجت مع أبي عبدالله B حتى أتينا الشجرة فقال لي أبو عبدالله B: يا نبال قلت: لبيك، قال: إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعاً غيري وغيرك وذلك أنه قد دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج[11].

أقول: وهي ضعيفة سنداً براويها فإنه لم يوثق.

ومنها: خبر مستطرفات السرائر عن زرارة عن أحدهما B أنه قال في رجل مسافر نسي الظهر والعصر في السفر حتى دخل أهله، قال: يصلي أربع ركعات.وقال: إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثم سافر صلى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره[12].

ومنها: خبر ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبدالله B: إن خرج الرجل مسافراً وقد دخل وقت الصلاة كم يصلي؟ قال: أربعاً.

قال: قلت: وإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر؟ قال: يصلي ركعتين قبل أن يدخل أهله فإن دخل المصر فليصل أربعاً[13].

أقول: يفصل هذا الخبر بين الذاهب إلى السفر فالمناط هو وقت التعلق وبين الآيب منه فالمناط هو وقت الأداء.

الطائفة الثانية: وهي ما دل على أن المدار على حال الامتـثال والأداء:

منها: صحيحة محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبدالله B: الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس فقال: إذا خرجت فصل ركعتين[14].

فإنها تدل على أن المدار على وقت الأداء، وليس لتعلق الوجوب مدخلية في ذلك، ضرورة أن السؤال عن دخول الوقت وتعلق الوجوب وهو بعدُ لم يسافر.

ومنها: صحيحه الآخر عن أبي عبدالله B في الرجل يقدم من الغيـبة فيدخل عليه وقت الصلاة فقال: إن كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل وليتم[15].

أقول: إنما تدخل في روايات المسألة لو قلنا بعدم الفصل بين الصورتين.

ومنها: خبر الوشاء قال: سمعت الرضا B يقول: إذا زالت الشمس وأنت في المصر وأنت تريد السفر فأتم فإذا خرجت بعد الزوال قصر العصر[16].

أقول: أشتمل سندها على المعلى بن محمد البصري، ولا طريق لتوثيقه إلا وقوعه في أسناد كامل الزيارات، والمحقق في محله أن عبارة ابن قولويه ناظرة للتصحيح الفهرستي، وليست ناظرة للتصحيح الرجالي. ثم إن محل الشاهد هي الفقرة الثانية لا الأولى لأنها في مقام ردع تصور أن مجرد نية السفر كافية للتقصير.

ومنها: ما جاء في الفقه الرضوي: وإن خرجت من منـزلك وقد دخل عليك وقت الصلاة ولم تصل حتى خرجت فعليك التقصير وإن دخل عليك وقت الصلاة وأنت في السفر ولم تصل حتى تدخل أهلك فعليك التمام[17].

أقول: هناك بحث مطول في الفقه الرضوي تعرضنا له في الفوائد الرجالية، وخلاصة ما ذكرناه هناك أنه لم يثبت لدينا صحة نسبة الكتاب إلى الإمام الرضا(ع)، بل من المحتمل جداً أنه مؤلف لمن كان معاصراً للإمام(ع)، أو من كان قريب العهد من عصره، ويتضح ذلك من خلال منهجية التبويب والعرض، والتفصيل يطلب من محله.

وعلى أي حال، فتعامل المرويات الواردة فيه معاملة المراسيل، فإن أحرز الجبر وفقاً لما بنينا عليه من كون عمل المشهور، إن لم يكن جابراً، فلا أقل في أنه من موجبات الوثوق بالصدور، أمكن الاستناد عندها لها.

ومنها: صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبدالله B: يدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلي حتى ادخل أهلي، فقال صل وأتم الصلاة. قلت: فدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج، فقال: فصل وقصر فإن لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله[18].

والمعارضة بين النصوص واضحة ولذا لجأ الأصحاب إلى الجمع بينها، وقد ذكرت وجوه لذلك:

منها: ما عن الصدوق والشيخ في النهاية من حمل النصوص الدالة على أن العبرة بوقت الأداء على سعة الوقت، والنصوص الدالة على أن العبرة بوقت الوجوب على ضيقه.

وهو كما ترى، لأنه غير عرفي فضلاً عن كون بعض النصوص آبية عنه، فلاحظ على سبيل المثال صحيح إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبدالله B: يدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في السفر فلا أصلي حتى ادخل أهلي، فقال صل وأتم الصلاة. قلت: فدخل عليّ وقت الصلاة وأنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج، فقال: فصل وقصر فإن لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله[19]. فإنه مطلق من حيث سعة الوقت وضيقه.

ومنها: ما ذكره العلامة في التذكرة وهو حمل النصوص الدالة على أنه يمتـثل بما هي وظيفته وقت الأداء على ما لو خرج بعد الزوال قبل مضي زمان يسع الطهارة والصلاة تامة.

وفيه: إن صحيح إسماعيل ظاهر في أنه كان متمكناً من امتثالها تماماً. مضافاً إلى أن هذا الجمع تبرعي كسابقيه.

ومنها: ما أختاره الشيخ(ره) من البناء على التخيـير بدعوى أنه مقتضى الجمع بين الطائفتين بعد رفع اليد عن ظهور كل منهما في التعيـين كما هو الشأن في كل مورد دار الأمر بين رفع اليد عن أصل الوجوب، أو تعينه، فإن المتعين حينئذٍ هو الثاني، ونتيجته، هي الحمل على التخيـير.

وقد قربه بعض الأعلام(قده)، بأن الجمع بين الطائفتين من النصوص يقتضي التخيـير بينهما، وليس هذا إسقاط للدليلين، فإن الإسقاط إنما يتوجه في مثل معارضة أفعل، ولا تفعل، إذا جمع بينهما بالكراهة، أو في مثل: اعتق الرقبة، ولا تعتق الرقبة، إذا حمل الأول على المؤمنة، والثاني على الكافرة، فإن الظهور الإطلاقي لفظي، حيث أن المطلق طبيعي يعم أفراده.

أما في مثل حمل الوجوب على التعيـيني، فذلك ظهور إطلاق مقامي نظير الإطلاق من حيث الزمان والمكان، فلو صدر الخطابان من متكلم واحد حكم ابتداءً بوجوبهما معاً، وحيث علم أن الواجب أحدهما أستفيد التخيـير بينهما.

والحاصل: إن تعارضهما ليس في ذاتهما، ضرورة عدم التناقض والتضاد بينهما، وإنما يكون التنافي بالعرض، لو كان يعلم إجمالاً بعدم مطابقة أحدهما للواقع، وليس كذلك، إذ لا دليل على ذلك، وإنما المعلوم إجمالاً عدم الجمع بينهما، فبهذا المقدار يرفع اليد عنهما، وذلك يتم مع التخيـير[20].

وقد أجاب عنه بعض الأعاظم(قده): إن الكبرى مسلمة، لكن الكلام في الصغرى، فإن المقام بعيد كل البعد عن كونه صغرى للتخيـير، إذ أن ذلك ينافي صريح صحيحة إسماعيل بن جابر الناطقة بتعين القصر، إذ جاء فيها: فإن لم تفعل، فقد خالفت والله رسول الله(ص)، لأنه إذا كان مخيراً فكيف يكون مخالفاً لرسول الله(ص)، في اختيار القصر.

وبالجملة، لما كان التخيـير مخالفاً لصريح الصحيحة المتقدمة، فلا ريب في سقوطه جزماً[21].

أقول: في المقطع الذي استشهد به(ره) من صحيحة إسماعيل احتمالان:

الأول: أن يكون ناظراً إلى بيان الوجوب في القصر، وأن الإتيان بالتمام في السفر مخالفة لرسول الله(ص).

الثاني: أن يكون تعليل الإتيان بكونه مخالفة ناظراً إلى مقامنا، وهو ما إذا خرج المكلف مسافراً بعدما دخل الوقتـ فإن وظيفته هي القصر، ولو لم يصل قصراً كان مخالفاً لرسول الله(ص).

ولا يخفى أنه إنما يتم الإشكال المذكور وفقاً للاحتمال الثاني، دون الاحتمال الأول، وعليه لو كان المستفاد من النص هو الاحتمال الأول، لم يكن في البين مانع يمنع من التمسك بالتخيـير.

والإنصاف أن ظهور النص في الاحتمال الأول غير بعيد، فيصعب القبول بمثل الإشكال المذكور.

وعلى هذا يصح البناء على التخيـير، وعليه ترفع اليد عن مقتضى القاعدة، فلاحظ.

هذا وقد يحكم بأن المعارضة مستقرة ومقتضى ذلك، الرجوع للتميـيز على المختار، أو الترجيح على ما هو المشهور، وقد تذكر وجوه:

الأول: إن ما دل على التقصير موافق للكتاب العزيز، وما دل على التمام مخالف للكتاب، وقد ثبت في محله أن أول المرجحات هو ما وافق الكتاب لقوله تعالى:- (وإذا ضربتم في الأرض)، وهذا يقتضي تقديم ما وافق الكتاب على ما خالفه، وهو ما دل على التقصير.

وهذا الوجه حسن جداً، إلا أن المانع من القبول منه هو ملاحظة النسبة ما بين آية(إذا ضربتم في الأرض)، وقوله تعالى:- (أقم الصلاة لدلوك الشمس)، فإن كانت الآية الأولى ناظرة إلى الآية الثانية كان مقتضى ذلك هو البناء على التنويع في حال الدلوك، وعليه يأتي ما سبق منا بيانه في القاعدة، في مطلع البحث، فلا يكون للآية دلالة على المدعى، فلاحظ.

الثاني: إن ما دل على التمام موافق للعامة، فلا يؤخذ به، لأن الثاني من المرجحات هو ما خالف العامة، وعليه تحمل الطائفة الدالة على التمام على التقية، ور بما يشهد لذلك ما جاء في صحيحة إسماعيل بن جابر من قوله(ع): فإن لم تفعل ذلك، فقد خالفت والله رسول الله(ص)[22].

أقول: إنما يتم الكلام المذكور على أحد المحتملين في العبارة المذكورة، أما على المحتمل الآخر الذي استظهرناه، فلا دلالة لها على المدعى، فلاحظ.

فتحصل إلى هنا أنهما متعارضان معارضة مستقرة. ولما لم يمكن التميـيز بينهما تصل النوبة للتساقط، فيكون المرجع هو مقتضى القاعدة وقد عرفت مفاده. مضافاً إلى أنه يمكن

الرجوع للعام الفوقاني بعد التساقط ومفاده التمسك بعمومات أدلة القصر في المسافر وأدلة وجوب التمام في الحاضر، لأن مفاد كل منهما الإتيان بالصلاة بما هي مطلوبة حال الأداء لا حال الوجوب.

بقي أن نشير إلى أن بعض الأعاظم(قده)، ذكر أن مختار الصدوق(ره) من أن الاعتبار بحال الوجوب لم يعرف له وجه، لأن التمسك بالطائفة الأولى من النصوص الدالة على ذلك، يعدّ ترجيحاً لأحد المتعارضين دونما وجود موجب للترجيح[23].

وهذا منه(ره) غريب، ضرورة أن عدم وصوله لما يوجب تقديم هذه النصوص على الأخرى لا يدعو إلى أنه لا يوجد عند الصدوق(ره) ما يوجب الترجيح، فتأمل.

——————————————————————————–

[1] المقنع ص125.

[2] المقنعة 211.

[3] النهاية ص123.

[4] المبسوط ج 1ص 141.

[5] الخلاف صلاة المسافر مسألة رقم 332.

[6] السرائر ج1 ص224.

[7] الجامع ص93.

[8] الشرائع ج1 ص .

[9] الوسائل ب21 من أبواب صلاة المسافر ح5.

[10] المصدر السابق ح11.

[11] المصدر السابق ح5.

[12] المصدر السابق ح13 و14.

[13] المستدرك ب15 من أبواب صلاة المسافر ح2.

[14] الوسائل ب21 من أبواب صلاة المسافر ح1.

[15] المصدر السابق ح8.

[16] المصدر السابق ح12.

[17] المسدرك ب15 من أبواب صلاة المسافر ح1.

[18] الوسائل ب21 من أبواب صلاة المسافر ح2.

[19] الوسائل ب21 من أبواب صلاة المسافر ح2.

[20] محاضرات في فقه الإمامية –كتاب صلاة المسافر-

[21] مستند العروة ج 8 ص 392.

[22] مستند العروة ج 8 ص 395.

[23] مستند العروة ج 8 ص 392.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة