الاستشفاء بالتربة الحسينية(2)

لا تعليق
من القلب إلى القلب
162
0

تحديد موضع تربة الشفاء:

هذا وقد اختلفت ألسنة النصوص الشريفة في تحديد موضع التربة التي يستشفى بها من طين قبر المولى أبي عبد الله الحسين(ع)، فيجد المراجع إليها أنها على طوائف:

الأولى: النصوص التي حددتها بالتربة الحمراء الواقعة فوق الرأس الشريفة، والتي يكون الوصول إليها بعد حفر مقدار من سطح الأرض. وقد وصفتها النصوص بأنها سهَلَة حمراء. فقد ورد عن أبي عبد الله(ع) قال: إن عند رأس الحسين(ع) لتربة حمراء فيها شفاء من كل داء الا السام. يقول الراوي فأتينا القبر بعدما سمعنا هذا الحديث فاحتفرنا عند رأس القبر، فلما حفرنا قدر ذراع ابتدرت من رأس القبر مثل السَهَلَة حمراء قدر الدرهم فحملناها إلى الكوفة فمزجناها وأقبلنا نعطي الناس يتداوون بها[1].

الثانية: النصوص التي تضمنت أنها التراب الواقع في مسافة خمسة وعشرين ذراعاً من القبر، فعن إسحاق بن عمار، قال: سمعته يقول: لموضع قبر الحسين(ع) حرمة معلومة من عرفها واستجار بها أجيره. قلت: صف لي موضعها؟ قال: امسح من موضع قبره اليوم خمسة وعشرين ذراعاً من قدامه، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه، وخمسة وعشرين ذراعاً من خلفه، وموضع قبره من يوم دفن روضة من رياض الجنة ومنه معراج يعرج منه بأعمال زواره إلى السماء، وليس من ملك ولا نبي في السماوات إلا وهم يسألون الله أن يأذن لهم في زيارة قبر الحسين(ع)، ففوج ينـزل وفوج يعرج[2].

الثالثة: النصوص التي حددت ذلك بسبعين ذراعاً، فقد روى في الكافي عن بعض أصحابنا قال: يؤخذ طين قبر الحسين(ع) من عند القبر على سبعين ذراعاً[3].
وجاء في كامل الزيارات عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله(ع) قال: يؤخذ طين قبر الحسين(ع) من عند القبر على سبعين باعاً في سبعين باعاً[4].

الرابعة: ما تضمنت تحديد ذلك بميل، فعن أبي عبد الله(ع) قال: طين قبر الحسين(ع)فيه شفاء وإن أخذ على رأس ميل[5].
الخامسة: ما حددت ذلك بأربعة أميال، فعن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد الله(ع)، قال: كنت بمكة-وذكر في حديثه-قلت: جعلت فداك إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين الحائر ليستشفون به، هل في ذلك شيء مما يقولون من الشفاء، قال: قال: يستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة اميال[6].

السادسة: ما تضمنت ذكر فرسخ من كل جانب، ولا يخفى أن عدّ هذه النصوص من طوائف المقام بناءً على ما ذكر في مقام تحديد حرم الإمام الحسين(ع)، بفرسخ من كل جانب،  فقد روي عن أبي عبد الله(ع) أنه قال: حريم قبر الحسين(ع) فرسخ في فرسخ في فرسخ في فرسخ[7]. وفي نصوص أخرى أنه خمسة فراسخ من أربعة جوانب القبر[8].
هذا ومما يثير الاستغراب عدم تعرض شيخنا المجلسي غواص بحار الأنوار(ره) للتعقيب على النصوص المذكورة، فإنه قد ذكرها في موسوعته الحديثية البحار، ولا إشكال في حصول التنافي بين مضامينها، إلا أنه لم يعمد إلى التعقيب عليها بشيء من قريب أو بعيد، فلاحظ[9].

وكيف كان، فبعيداً عن الملاحظة السندية في نصوص الطوائف السابقة، ورفع اليد عن ذلك إما لأنها لا تفيد حكماً إلزامياً، أو لأن مضامينها عالية توجب الوثوق بصدورها، فلا ريب أنه لا مجال للعمد بالتوفيق بينها من خلال حمل المطلق على المقيد، كما يصنع ذلك في النصوص المتعارضة التي يكون بعضها مطلقاً والآخر مقيداً، أو يكون بعضها عاماً والآخر خاصاً، وذلك لما قرر في الأصول، من أن التوفيق بالجمع العرفي بما ذكر من المختصات بالأحكام الإلزامية، ولا مجرى له في الأحكام الترخيصية، فلاحظ.

نعم في الأحكام الترخيصية، إذا تنافت النصوص، وكان بعضها مطلقاً والآخر مقيداً، كان العلاج المتصور حينئذٍ بالحمل على اختلاف مراتب الفضل وتفاوتها. ويقصد من تفاوت الفضل في المقام، تفاوت التأثير والفاعلية في المستشفي.

وعليه، سوف يلتـزم بثبوت فائدة الاستشفاء لكل ما صدق عليه أنه تراب أرض كربلاء، لكن كلما كان التراب أقرب إلى القبر الشريف، كان أفضل وذا تأثير وخصوصية وفاعلية في الشفاء أكبر حتى يصل إلى الطينة الحمراء التي تكون فوق الرأس.

وقد يبرر وجود التفاوت في النصوص بحمل ذلك على ملاحظة الإمام(ع) لنوعية المرض من حيث الشدة والضعف، والصعوبة في العلاج وعدمه، والخطورة في تهديد الحياة وعدمها، بحيث يقرر أن النصوص التي تضمنت تحديد ما يستشفى به في خصوص التربة الحمراء مثلاً، نظرها إلى ما إذا كان المرض خطيراً، أو كان شديداً، أو كان صعبا لعلاج مثلاً. أما لو كان المرض المراد الاستشفاء له بها دون ذلك في الخطورة والصعوبة في العلاج، فإنه لا يعتبر أن يكون منها، وإنما يكتفى فيه أن يكون ولو من خارج الحائر، بأن يكون من تراب أرض كربلاء المقدسة، وهكذا.

وهذا التوجيه، يحتاج قبل كل شيء إلى وجود قرينة في النصوص تبرر ما ذكر، فإن لم تكن، فلن يكون هناك ما يوجب القبول به، والاعتماد عليه.
على أنه يستلزم ألا يستفاد من نصوص التحديد لموضع التربة التي يستشفى بها، ذلك أنها سوف تكون بمثابة القضايا الخارجية الخاصة التي عرضت بما يشبه الفتوى لسائلها الخاص، ولا تجري في شأن غيره، وهو خلاف ما هو الظاهر منها، فلاحظ.

[1] الكافي ج 4 ح 4 ص 588، كامل الزيارات ح 713 ص 468.
[2] الكافي ج 4 ح 6 ص 588.
[3] الكافي ج 4 ح 5 ص 588.
[4] كامل الزيارات ح 718 ص 471.
[5] كامل الزيارات ح 703 ص 462.
[6] كامل الزيارات ح 717 ص 470.
[7] كامل الزيارات ح 721 ص 472.
[8] من لا يحضره الفقيه ج 2 ح 3206 ص 376.
[9] بحار الأنوار ج 98 ص 118-140.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة