عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع)، عن أبيه(ع)، عن علي(ع)، قال: قال رسول الله(ص) من علامات الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الرزق، والإصرار على الذنب[1].
مدخل:
الإنسان يسعى دائماً لتحصيل السعادة ونيلها، ويتصور كثيرون أن السعادة من الأمور المختصة بعالم الدنيا، وأن تحصيلها يكون بمقدار ما يستطيعون تحصيله من حطام الدنيا، من أموال وعروض زائلة، ويغفلون عن أن الغاية التي خلق الإنسان من أجلها هي تحصيل السعادة في عالم الآخر، فليس السعيد هو من كان سعيداً في عالم الدنيا، وإنما السعيد هو ذلك الذي يكون سعيداً في عالم الآخرة، نعم ربما كان الإنسان سعيداً في عالم الدنيا، وسعيداً في عالم الآخرة.
لكن تمام المدار على تحصيل السعادة الحقيقية، وهي ما تكون في عالم الآخرة.
ومن الواضح أن السعادة في عالم الآخرة تكون بمدى ما يملكه الإنسان من رصيد يؤهله لذلك، فالأعمال الصالحة والحسنة، هي رصيد الإنسان يوم القيامة ليكون سعيداً، وبخلاف ذلك يكون الإنسان من الأشقياء.
والشقاء خلاف السعادة، وليست هي صفة ذاتية للإنسان غير قابلة للتغيـير حتى يكون البشر مجبورين على التقصير، بل صفة الشقاء من الصفات الاختيارية، تحصل عند الإنسان باختياره لها، وهذا يعني أن الشقي يمكن له أن يعدل إلى طريق السعداء.
ويشهد لما ذكرناه من أن الشقاوة ليست أمراً ذاتياً، بل يمكن تبديلها بالسعادة ما ورد من الأمر بالدعاء لتبديلها في مثل ليلة القدر، فقد ورد: وإن كنت من الأشقياء فمحني من الأشقياء واكتبني من السعداء. وكذا ما ورد: إن كنت عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً فأمحو من أم الكتاب شقائي وحرماني.
مضافاً إلى أن كون الشقاء من الأمور الذاتية يستدعي عدم استحقاق الشقي العقاب، فلا يوقف يوم القيامة ولا يسائل على أي فعل قد فعل، وهذا خلاف ما صرحت به النصوص القرآنية والمعصومية الدالة على ثبوت المسائلة على أفعال الإنسان الصادرة منه.
علامات الأشقياء:
هذا وقد تعرض الحديث الشريف الذي بدأنا به حديثنا إلى علامات يعرف بها الأشقياء يوم القيامة، بمعنى أن من كانت فيه واحدة من هذه الصفات الأربع التي ذكرت في الحديث الشريف فذلك يعني أنه ليس من السعداء في ذلك اليوم، بل هو من الأشقياء.
وما ينبغي لنا الإشارة إليه أن هذه الأسباب تعود إلى اختيار الإنسان نفسه، أي أنها ليست من الأمور القهرية التي يجبر الإنسان عليها، فالإنسان هو الذي أوقع نفسه في هذا الأمر فصار من الأشقياء عندما اتصفت بهذه الصفات، وتلك الصفات هي:
جمود العين:
وهي كناية عن عدم تأثرها بما حولها، فلا تسيل دموعها خوفاً من عذاب الله تعالى ولا عقابه، كما لا تسال دموعها شكراً لله سبحانه وتعالى.
وقد ورد في الحديث أن كل عين باكية يوم القيامة، إلا عين بكت من خشية الله.
ويعدّ جمود العين مرض من الأمراض المتفشية في المجتمعات التي ابتعدت عن توطيد العلاقة مع الله سبحانه، فلا تأثر أي تأثر بالعبادة، فلا يـبكي الإنسان من خشية ربه، كما لا يـبكي على ذنبه، لذا ترى أن الكثيرين صاروا يقرأون الأدعية، ولا يعيشون معها، وما ذلك إلا لجمود العين، مع أن البكاء من خشية الله مفتاح الرحمة، قال أمير المؤمنين(ع): البكاء من خشية الله مفتاح الرحمة[2]. وهو ينير القلب، ويعصمن من العودة للذنبـ قال أمير المؤمنين(ع): البكاء من خشية الله ينير القلب، ويعصم من معاودة الذنب.
وقد علل أمير المؤمنين(ع) جمود العين وجفاف دموعها بأن سببه قسوة القلب، قال(ع): ما جفت الدموع إلا لقسوة القلب.
ثم إن من لم يتمكن من البكاء من خشية الله سبحانه، أو حسرة وألماً على نفسه، وما فرط في عمره، فليتباكى، فإن ذلك قد يوجب الشفاعة له في أن يصنف في السعداء، لا الأشقياء.
قسوة القلب:
وهذه الصفة الثانية التي متى ما أتصف بها شخص دخل في الأشقياء، وعدّ ممن حرم السعادة في يوم القيامة.
ومن الواضح أن قسوة القلب تكشف عن ابتعاد تام عن الباري سبحانه وتعالى، قال تعالى:- (ثم قست قلوبكم فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة)، وهناك أسباب توجب قسوة القلب، لسنا الآن بصدد الحديث عنها.
شدة الحرص في طلب الرزق:
حتى أن الواحد يسعى إلى جمع المال دونما أن يلتفت إلى مصادر جمعه، هل أنه يجمعه من حلال أم يجمعه من حرام، وهل أنه حلال طيب أم أنه مشتبه اختلط حلاله بحرامه، وهل أنه تعلق به حق الله سبحانه، أم تعلق به حق الناس، أم لا.
بل إن هؤلاء يركضون بكل ما أوتوا من قوة رغبة منهم في الدنيا وحرصاً عليها، وظناً منهم أن حظهم قد يفوت ما لم يحرصوا عليه، ونسوا أن الله سبحانه قد ضمن لكل أحد رزقه.
الذنب على الذنب:
فلا توبة ولا تراجع، بل إصرار واستمرار على المعصية، حتى تقسى القلوب، فتكون كالحجارة بل أشد قسوة.
——————————————————————————–
[1] الخصال باب الأربعة ح 96.
[2] أمالي الصدوق ص 351.