تأملات في الخطبة الشعبانية (1)

لا تعليق
من القلب إلى القلب
237
0

عمومية الخطاب النبوي

روى الشيخ الصدوق(ره)عن الإمام الرضا(ع) عن آبائه(ع) عن أمير المؤمنين(ع) قال: إن رسول الله(ص) خطبنا ذات يوم، فقال: أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات[1].

تمهيد:

المعروف بين المحدثين أن هذه الخطبة النبوية صدرت من النبي محمد(ص) في الجمعة الأخيرة من شهر شعبان المعظم، ويبدو أن الداعي إليها هو إعداد المسلمين، بل الناس في ذلك الوقت، وفي كل وقت، إلى استقبال هذا الشهر الشريف، وذلك من خلال بيان ما له من خصائص ومميزات يمتاز بها على بقية شهور السنة، وما يكون فيه من ثواب وفضل لا ينبغي لعاقل أن يفوته.

وعلى أي حال، سوف نعمد إلى محاولة التأمل في شيء مما جاء في الخطبة المباركة، ونحن نعيش في رحاب هذا الشهر الشريف.

نداء الناس:

إن أول ما يلاحظ في الخطبة هو ما جاء في مطلعها، إذ نجد أنه(ص) قد وجه الخطاب للناس، ولم يخصه بالمسلمين.

ومن المعلوم أن بين التعبيرين فرقاً واضحاً، ذلك أن توجيه الخطاب للمسلمين يستوجب تخصيصه بفئة خاصة من المجتمع البشري وهم المسلمون، وعلى العكس تماماً عندما يكون توجيه الخطاب للناس، فذلك يعني عدم حصر المخاطب في فئة معينة، بل سوف يكون شاملاً لجميع أبناء الجنس البشري، وبجميع توجهاتهم وانتمائتهم الدينية، فيشمل الكافر، واليهودي والمسيحي، والمجوسي، كما يشمل المسلم.

وعليه، فهل أن المقصود من التعبير المذكور هو خصوص المسلمين، عمدة ما كان أنه(ص) وجه الخطاب لهم بالعنوان العام، لكنهم هم المقصودون، لأن الخطاب كان إليهم، أم أن الخطاب أوسع؟…

ومن الواضح أنه لو بني على الثاني، فذلك يفيد أموراً مهمة جداً، بمعنى أن جميع الآثار المترتبة في هذه الشهر، وما يكون فيه من خير جزيل وثواب عميم، لن يكون منحصراً تحصيله في خصوص المسلين، بل سوف يكون شاملاً أيضاً لغيرهم من الطوائف الأخرى؟…

لا يخفى أن المحتمل في الخطاب المذكور أمران كما عرفنا:

أولهما: البناء على عمومية الخطاب، وبالتالي عدم اختصاصه بأحد.

ويـبتني هذا الاحتمال على أساس التمسك بالإطلاق الموجود في التعبير، ضرورة أن التعبير بـ(الناس) عام شامل لكل، كما عرفت.

ثانيهما: أن يقال بالاختصاص، وهو خصوص المسلمين، فإن الخطاب وإن كان عاماً شاملاً للكل، وهذا لا ينكر، إلا أن في البين قرينة، ولو قرينة حالية، وهي قدوم شهر رمضان المبارك، الواجب على المسلمين صومه.

ومن المعلوم أن وجود قرينة في البين، تمنع من انعقاد ظهور اللفظ في الإطلاق، فعندها يحكم بالاختصاص.

هذا والظاهر أن التمسك بالقرينة المذكورة لا يوجب الاختصاص، ضرورة أن البناء عليها مبني على الالتـزام بعدم ثبوت تكليف الكفار بالفروع، كتكليفهم بالأصول.

أما لو بني على أن الكفار مكلفون بالفروع كتكليفهم بالأصول-كما هو رأي جملة غير قليلة من أعلام الطائفة-فالظاهر أنه لا معنى للاختصاص، ولنوضح هذه النقطة بشيء من التفصيل أكثر، فنقول:

اتفق علمائنا جميعاً، بل علماء المسلمين على أن الكافر مكلف بأصول الدين، فيجب عليه أن يعتقد بها، كما يعتقد بها المسلم.

لكنه وقع الخلاف بين علمائنا في فروع الدين، فهل أن الكافر مكلف بها كتكليفه بأصول الدين، فيجب عليه الالتـزام بها، كما يلتزم بها المسلم، عمدة ما كان أنه لو أتى بها فلا تصح منه، لإخلاله ببعض شروط الصحة، أم أن الكافر ليس مكلفاً.

وتظهر الثمرة، في يوم القيامة، فهل أن الكافر يستحق عقوبات متعددة نتيجة إخلاله بأصول الدين، وعدم فعله لفروعه، أم أن العقوبة التي تكون للكافر يوم القيامة تنحصر في خصوص إخلاله بأصول الدين.

هذا وعند الرجوع للقرآن الكريم، نجد أن الخطابات القرآنية الواردة فيه بالنسبة للتكاليف الإلهية ترد بعنوان الناس، قال تعالى:- (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون)[2]، وقال تعالى:- (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)، وهناك آيات أخرى ورد التعبير فيها ببني آدم، مثل قوله تعالى:- ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد).

نعم ورد الخطاب في بعض النصوص القرآنية ب(يا أيها الذين آمنو)، مثل قوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)[3]، وقوله تعالى:- (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة)[4]، وقوله تعالى:- (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم)[5]، لكن هذا التعبير لا يتنافى والتعبيرات القرآنية الأخرى، وذلك لأن كلا التعبيرين مثبت، عمدة ما كان أن التعبير في آية الصيام وجه لخصوص المؤمنين كنوع من الاهتمام، وبيان التقدير، لما في هذا التكليف من مشقة.

وبعبارة أخرى، قد يتصور البعض أن بين الآيات القرآنية نحواً من التنافي والتعارض، ويتم علاج ذلك من خلال حمل المطلق على المقيد، فتكون الآيات الشريفة التي اشتملت على عنوان الذين آمنوا بمثابة المقيد للآيات المباركة التي ورد فيها التعبير بكلمة الناس، أو بكلمة بني آدم، وعندها تكون النـتيجة الاختصاص في الخطابات القرآنية بخصوص المؤمنين.

لكن هذا الكلام غير صحيح، لأن حمل المطلق على المقيد فرع وجود التنافي والمعارضة بينهما، بحيث يكون أحدهما يفيد معنى إيجابياً، والآخر يفيد معنى سلبياً فيكون بينهما منافاة، ولو غير مستقرة، فتعالج، ومقامنا ليس من هذا القبيل، لأن الطائفتين من الآيات كلاهما يفيد معنى إيجابياً، حيث أن ما ورد فيها التعبير بالناس، أو ببني آدم، تفيد توجه التكليف للعنصر البشري جميعاً من دون فرق بين المسلمين وغير المسلمين، وما ورد فيها التعبير بالذين آمنوا تتحدث عن تكليف المؤمنين، لكنها ساكتة عن تكليف غيرهم، وليست مانعة عنه، فلا تكون منافية للطائفة الأولى من الآيات، وبالتالي لا مجال لحمل المطلق على المقيد، فلاحظ.

ووفقاً لما ذكرنا يمكن القول أن النبي الأكرم محمد(ص)، عندما عمد إلى التعبير بـ(الناس)سار على نفس المنهج القرآني، وهو توجيه الخطابات للناس كافة، وليس لخصوص فئة معينة وهي المسلمون.

نتيجة مهمة:

هذا ووفقاً لما بنينا عليه من أن المصطفى محمد(ص) سار في التعبير على نفس المنهج القرآني، فذلك يعني أن جميع ما ورد في هذا الشهر الكريم من آثار وثوابات سوف تكون ثابتة للجميع من دون فرق بين المسلم وغيره.

هذا وقد يقال: أن ثبوت الثواب شيء، وتحصل المكلف عليه شيء آخر، ذلك لما ثبت من أن قبول العمل رهين توفر جملة من الشروط، ومن الواضح جداً عدم توفرها عند غير المسلمين، فلا ثمرة عملية حينئذٍ؟…

فإنه يقال: الظاهر-كما سيأتي- في طيات الحديث عن بقية الخطبة المباركة، أن في البين تفضلاً إلهياً، وهو عدم اعتبار توفر شروط القبول في هذا الشهر المبارك، فتأمل.

شمول الخطاب للغائبين عن مجلس الحديث:

ثم إن هذا الخطاب الصادر من النبي(ص)، هل يختص بمن كان موجوداً في المسجد النبوي وقت إلقاء النبي(ص) لهذه الخطبة، فلا يشمل المسلمين الغائبين في أسواق المدينة، أو كانوا في بيوتهم، أو المسلمين الغير موجودين في المدينة، وكذا الأجيال التي سوف تأتي بعد ذلك، أم أن الخطاب عام وشامل لجميع المسلمين، من كان منهم حاضراً في المسجد، ومن لم يكن حاضراً، بل حتى الذين ولدوا بعد وفاة النبي(ص) بمئات السنين؟…

وبعبارة أخرى، هل يختص الخطاب المذكور بالمشافهين، فلا يشمل الغائبين، وغير الموجودين، الذين سيولدون فيما بعد، أم أنه لا يختص بالمشافهين، بل هو شامل للغائبين عن مجلس الخطاب، والغير موجودين، كشموله للمشافهين، وجهان، بل قولان:

شمول الخطاب للغائبين:

والصحيح أن يقال: بأن الخطاب النبوي الصادر منه(ص) في هذه الخطبة لا يختص بخصوص من كان موجوداً في مجلس الخطاب أعني خصوص من كان متواجداً في المسجد، بل يشمل من كان موجوداً من الناس في المدينة المنورة، أو كان خارج المدينة من المعاصرين لرسول الله(ص)، بل إن الخطاب شامل لجميع الناس الذين سيوجدون إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها.

——————————————————————————–

[1] فضائل الأشهر الثلاثة ص 61، أمالي الصدوق ص 149، عيون أخبار الرضا ج1، الإقبال ص 26، بحار الأنوار ج 96 ص 356.

[2] سورة البقرة الآية رقم 21.

[3] سورة البقرة الآية رقم 183.

[4] سورة إبراهيم الآية رقم 31.

[5] سورة المائدة الآية رقم 94.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات مغلقة