ما يحقق الزيارة:
هذا وبعد الفراغ عن الحديث عن ما لزيارة المريض من فضل وثواب، وأنها من المستحبات المؤكدة، مضافاً إلى الإشارة إلى جملة من أحكامها، يلزم تحديد ما يحقق عنوانها خارجاً، وأنه هل يعتبر في صدقها توفر شروط، وأنها تتقوم بأشياء ما لم تتوفر لا يبنى على وجودها، أم لا؟
قد يدعى اعتبار توفر أمور في صدق عنوان الزيارة، فيلتـزم مثلاً بأنه يشترط في وجودها خارجاً أن يقوم الزائر بالجلوس عند المريض ولو آناً ما، فما لم يجلس عنده، فإنه لا يكون زائراً له.
وقد يعتبر فيها أيضاً سؤال الزائر للمريض عن أحواله، فيسأله عن نوع المرض الذي يشكو منه، وهل أنه راجع الطبيب أم لم يراجعه، وما هي الأدوية التي وصفت إليه، وهل أنها أتت بفائدة فاستفاد منها، أم أنها لم تكن كما ينبغي، وهكذا.
والإنصاف، أن الزيارة من المفاهيم العرفية، وهذا يعني أنه يرجع في تحديدها إلى العرف، شأنها شأن بقية الموضوعات العرفية الأخرى التي لم يتعرض الشارع المقدس إلى تحديدها، فيكون المرجع فيها هو العرف، وعند الرجوع إليه لتحديد مفهومها، نجد أنه لا يعتبر فيها شيئاً مما ذكر، فلا يعتبر فيها الجلوس عند المريض، ولا يعتبر فيها السؤال منه عن أحواله، وإنما يكتفي العرف في تحققها خارجاً بأن يرى المريض الزائر آناً ما، فيتحقق عنوانها، وإن لم يجلس عنده، فضلاً عن أن يكون سائلاً له عن أحواله، فلاحظ.
وقت الزيارة:
ثم إن المستفاد من النصوص الواردة عنهم(ع) أنه لا يفرق في زيارة المريض بين الليل والنهار، فكما يستحب أن يزار في الليل فكذلك يستحب في النهار، وكذلك يستحب للمريض أن يستقبل في الوقتين أيضاً، فلاحظ ما جاء عن أبي عبد الله الصادق(ع) أنه قال: أيما مؤمن عاد مريضاً حين يصبح شيعه سبعون ألف ملك، فإذا قعد غمرته الرحمة واستغفروا له حتى يمسي، وإن عاده مساءً كان له مثل ذلك حتى يصبح. فقد تضمن تخيـير وقت الزيارة بين الصباح والمساء على حد سواء. والتخيـير الوارد في النص يمنع مما اشتهر عند جملة من المكلفين من كراهة زيارة المريض ليلاً، فإنه لم يعرف له وجه، فلاحظ.
وكما لا يفرق في زيارته بين الليل والنهار، لا فرق فيها بين الأيام والليال، فإن الجميع على حد سواء، بما في ذلك ليلة الأربعاء التي حكي كراهة زيارته فيها على ألسنة بعض المكلفين من دون وجود مستند يدل على ذلك. نعم قد تكون للزيارة أفضلية بلحاظ وقوعها في بعض الأزمنة ذات الأفضلية
كما لو كانت الزيارة في ليلة الجمعة مثلاً، فإنه بلحاظ أفضليتها سوف تكون زيارته أفضل من زيارته في ليلة أخرى ليست كليلة الجمعة في الفضل، ومثل ذلك لو كانت الزيارة في نهار الجمعة صباحاً مثلاً أو مساءً، فإن هناك خصوصية وفضلاً خاصاً ليوم الجمعة، تجعل العمل المأتي به فيه أكثر فضلاً وثواباً مما يؤتى به في غيره، وكذا لو اجتمعت أمور متعددة ككون الزيارة في يوم الجمعة، وأنه في آخر ساعة من ساعاته، فإن ذلك يستوجب أن تكون أفضل من غيره من الأوقات، وكذلك لو كانت الزيارة ليلية كما لو كانت في إحدى ليالي شهر رمضان المبارك مثلاً، أو كانت في ليلة القدر، وهكذا.
وبالجملة، لا تفاوت عندنا من حيث الفضل بالنسبة لأصل الزيارة بين الأوقات بلحاظ الزيارة، وإنما يكون التفاوت بلحاظ تفاوت الأوقات نفسها، فتدبر.
نعم لو جرت العادة بترك زيارة المريض وقتاً من الأوقات، لظروف ودواعي خاصة به، كأن لا يتواجد معه من ذويه من يباشر زائريه، أو لأنه يخلد في هذا الوقت للراحة، أو هو الوقت الذي يتناول فيه دوائه، فإنه يلزم والحال هذه مراعاة ذلك، حذراً من إدخال الأذى عليه، أو على ذويه.
ابتداء وقت الزيارة:
هذا وقد ذكر بعض الأعلام، أنه لا تستحب زيارة المريض بمجرد علم المكلف بمرضه، وإنما لابد وأن تمضي مدة من الزمن، حتى يبدأ وقت الزيارة، وخالف في ذلك آخرون، وقبل أن نشير إلى ما جاء في كلماتهم، أود التنبيه إلى أن مرجع ذلك يعود للاختلاف الحاصل بينهم(رض) في فهم نص ورد عن الإمام الصادق(ع)، حيث قال: لا عيادة في وجع العين، ولا تكون عيادة في أقل من ثلاثة، فإذا وجبت فيوم ويوم لا، فإذا طالت العلة ترك المريض وعياله. فقد اختلفوا في تحديد المقصود من قوله(ع): ولا تكون عيادة في أقل من ثلاثة، على عدة احتمالات، وقد رتب على كل محتمل منها أثر يختلف عما رتبه الآخرون عليه:
منها: أن المقصود من التعبير المذكور، أن ابتداء وقت زيارة المريض يكون بعد مضي ثلاثة أيام من إصابته بالعلة، فلا يعاد قبل ذلك، وعليه لو برء المريض قبل مضي الأيام الثلاثة، فلا زيارة له ولا عيادة.
ولا يخفى أنه وفقاً لهذا الاستظهار، سوف يلتـزم أن جملة من الأمراض التي لا يطول بها الأمد للبرء، كمرض الأنفلونزا اليوم مثلاً، أو ألم الصداع مثلاً، لا زيارة فيه، لأنه لا يبقى ثلاثة أيام كما هو واضح.
ومنها: أن التعبير المذكور ليس ناظراً إلى وقت ابتداء الزيارة، وإنما هو ناظر إلى مقدار ما ينبغي أن يكون بين الزيارة والأخرى، وبتعبير آخر، كلامه(ع) يشير إلى الكيفية التي ينبغي أن تكون الزيارة عليها، فيكون قوله(ع): ولا تكون عيادة في أقل من ثلاثة أيام، أي ينبغي أن يرى المريض الزائر في كل ثلاثة أيام مرة واحدة، وإن كان الأفضل أن يراه في كل يوم مطلقاً، ويشهد لهذا الاستظهار، قوله(ع): فإذا وجبت فيوم ويوم لا.
ومنها: أن يكون قوله(ع): ولا تكون عيادة في أقل من ثلاثة، بياناً إلى أن أقل ما يزار به المريض هو رؤيته إياه ثلاثة أيام متواليات من ابتداء المرض، وبعد ذلك يوماً فيوماً، يعني يوم يزور، ويوم لا يزور.
ولا يخفى أن هذا الاستظهار، وإن توافق والاستظهار الثاني من حيث تعرضه لبيان كيفية الزيارة، إلا أنه يختلف عنه في أن الثاني يتعرض لبيان وقت ابتدائها، بينما يتعرض هذا الوجه إلى كيفية تحققها، إذ قد اعتبر أن تكون منذ البداية ثلاثة أيام متوالية، فلاحظ.
ومنها: ما أختاره المحدث الكاشاني(ره)، من أن التعبير المذكور يشير إلى اعتبار الفصل بين الزيارة الأولى والزيارة الثانية، فلو زاره يوم السبت مثلاً، يزوره بعد مضي ثلاثة أيام فتكون زيارته له يوم الأربعاء، وهكذا.
ولا يخفى أنه وفقاً لما استظهره المحدث الكاشاني(ره)، لن يلتـزم بثبوت استحباب الزيارة في كل صباح ومساء، وإنما سوف يلتـزم بكون الاستحباب في كل ثلاثة أيام مرة واحدة، فلاحظ.
ومن خلال ما ذكرنا تتضح جهة الاختلاف بين هذا الاستظهار وما تقدمه من الاستظهارات، فهو وإن اتفق وإياه في كون النص متعرضاً لبيان كيفية الزيارة، إلا أنه يختلف عنها في كيفيتها.
استثناءات من زيارة المريض:
ومع أن النصوص الشريفة، قد أكدت على استحباب زيارة المريض، وعرضت الترغيب في ذلك كما عرفت بصور مختلفة، إلا أننا نجد أنها قد استثنت أفراداً من ذلك.
شارب الخمر:
فقد ورد عن الإمام الرضا(ع) أنه قال: إن رسول الله(ص)، قال: شارب الخمر إن مرض فلا تعوده.
ومن الواضح جداً أن مقتضى النهي الوارد في النص، هو البناء على كراهة زيارة شارب الخمر خلال فترة مرضه، لوجود المانع من حمل النهي الوارد فيه على الحرمة، وليس انتفاء الاستحباب في ذلك.
وبكلمة أخرى، إن بعض الموارد قد ينتفي الحكم بالاستحباب، ويكون الحكم من المباحات، إلا أن المقام، لم يتحول الأمر فيه إلى المباح، بل قد أصبح من المكروهات، فلاحظ.
التعدي من شارب الخمر:
ثم إنه هل يمكن التعدي من شارب الخمر ليكون الحكم المذكور أعني كراهة الزيارة جارياً في كل فاسق، أم أنه يقتصر على خصوص شارب الخمر، جموداً على ظاهر النص؟
لا يخفى أن المتصور عندنا فروضاً ثلاثة:
الأول: أن يكون المريض من المتجاهرين بالفسق، سواء كان فسقه الذي تجاهر به هو شرب الخمر أم غيره.
الثاني: أن يكون المريض معروفاً بشرب الخمر، وهو أعم من كونه قد تجاهر بالفسق، أم لم يتجاهر.
الثالث: أن يكون المريض فاسقاً، بارتكاب أي كبيرة من الكبائر المعلومة، أو يكون مصراً على فعل صغيرة من الصغائر.
هذا والظاهر أنه يختلف الحال وفقاً لما هو الظاهر من النص، فلو قيل بأن النص بصدد الحديث عن الفاسق، وإنما ذكر شارب الخمر من باب المثال ليس، فلا ريب في الالتـزام بكراهة عيادة الأٌقسام الثلاثة كما هو واضح.
ومثل ذلك لو بني على أن الموجب لكراهة زيارة شارب الخمر في مرضه، هو إسقاط الشارع المقدس لحرمته، لما ارتكبه من معصية وهتك لحرمة المولى.
أما لو قيل، بأنه لم يعلم الملاك الموجب للبناء على المنع من عيادة شارب الخمر، خصوصاً وأنه من المحتمل جداً أن يكون ذلك لخصوصية موجودة فيه دون غيره، فلا ريب أن التعدي عن النص، ليشمل القسمين الآخرين، مشكل جداً، فلاحظ.
عيادة النساء:
ومن المستثنيـين من الزيارة أيضاً النساء، فإنها غير مستحبة إليهن، لما ورد عن أمير المؤمنين(ع)، أنه قال: ليس على النساء عيادة. والظاهر أن ذلك لا يختص بما إذا كان المريض المراد زيارته رجلاً، بل يشمل ما إذا كان المزار امرأة مريضة. نعم يمكن للمرأة أن تقصد المرضى، رجالاً كانوا أم نساء، لكن لا بعنوان زيارة المريض، وإنما بعنوان صلة الرحم، أو البر بالأب، لو كان رجلاً، كما لو كان أباً أو كان عماً، أو كان أخاً، وكذا لو كانت المزارة امرأة فإنه تقصد لنفس العنوان، أو من أجل عنوان إدخال السرور على المؤمن، وهكذا.